أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

92

شرح مقامات الحريري

المقامة الثّالثة وهي الدّيناريّة روى الحارث بن همّام قال : نظمني وأخدانا لي ناد ، لم يخب فيه مناد ، ولا كبا قدح زناد ، ولا ذكت نار عناد ؛ فبينا نحن نتجاذب أطراف الأناشيد ، ونتوارد طرف الأسانيد ، إذ وقف بنا شخص عليه سمل ، وفي مشيته قزل . * * * نظمني ، أي جمعني . أخدانا ؛ أي أصحابا . ناد : مجلس . مناد : متكلّم . كبا : شحّ ولم يبد نارا . قدح : ضرب . زناد : حديدة النار ، وزناد العرب من خشب ، وأكثر ما يكون من المرخ والعفار ؛ وإنما هو أن يؤخذ عود قدر شبر ، فيثقب في وسطه ثقب لا ينفذ ، ويؤخذ عود آخر قدر ذراع ، فيحدّ طرفه ، ويجعل ذلك في الثّقب ، وقد وضعه رجل بين رجليه ، فيديره ويفتله ، فيبدي النار ، فالأعلى زند والسفلى زندة ، والزّناد جمع زند . قوله : « ذكت » ، أي اشتعلت . عناد : خلاف ، يريد أنّ هؤلاء الأصحاب لحسن أدبهم ومناظرتهم ليس بينهم خلاف ، وهم علماء لا يسقط من كلامهم شيء ، وليس فيهم جاهل ، فيكون كلامه قليل الإصابة . والأناشيد : ما يتناشدونه من الأشعار بينهم ، كأنّ واحدها أنشودة . وتجاذب أطرافها ، يريد المشاركة في إنشادها ، أي إذا أنشد أحدهم شعرا ليغرب به شاركوه في إنشاده لحفظهم الأشعار ، فكأنهم تجاذبوه كما يتجاذب بأطراف الثوب . والأسانيد : الأخبار المسندة إلى أهلها . وأصل التوارد ، مزاحمة الإبل على شرب الماء ، فجعل مشاركتهم في ضبط غرائب الأخبار كتوارد الإبل على الماء ، والطّرف : الغرائب ، والطّرفة : الشيء العجيب من كل شيء ، الذي لا يوجد له نظير . سمل : ثوب خلق ، وأكثر ما تقول العرب : ثوب أسمال وأخلاق ، فيوصف بالجمع لأنه قطع متفرّقة . وسمل : قليل ، وفي تبذّل اللباس روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب المتبذّل لا يبالي بما لبس » . قزل : عرج . * * * فقال : يا أخاير الذّخائر ، وبشائر العشائر ، عموا صباحا ، وأنعموا اصطباحا ، وانظروا إلى من كان ذا نديّ وندى ، وجدة وجدا ، وعقار وقرى ، ومقار وقرى ، فما زال به قطوب الخطوب ، وحروب الكروب ، وشرر شرّ الحسود ، وانتياب